ليست هبّه


 

 

يتهم بعض الناس أهل العزائم والهمم العالية بأنهم أصحاب “هبّه”. وهذه الكلمة لمن لا يعرف معناها تعني التوجه لهواية أو فكرة جديدة من وقت لآخر. وصاحب “الهبّات” هو ذلك الذي ينجذب لأمر ما لفترة محدودة ثم يتركه ليجرب أمرا آخر ودواليك.

هذه الصفة التي تقال في حق هؤلاء ليست صحيحة من جهتين. الأولى أنهم لا يقومون بذلك تقليدا للناس (كما تفعل بعض الفتيات مثلا عندما يغرمن بشنطة أو ساعة معينة لفترة من الزمن) بل لأنهم راغبون باكتشاف العالم من حولهم والتميز في شيء يستحق التميز فيه.

الجهة الثانية أن أصحاب الهمم العالية عندما “يهبّون” في شيء جديد فإنهم يفعلون ذلك برغم عزوف الناس عنه. أي أنهم يفعلون ما لا يفعله العموم ممن حولهم. وبالتالي فإن رغبتهم الحقيقية هي التميز عن الآخرين بفعل ما هو صعب على بقية البشر. وهو الأمر الذي يشعرهم بالتميز والتفوق.

بالإضافة لذلك، فإن من ينحو باللائمة على هؤلاء هو بالغالب من يعيش حياة رمادية لا تكسوها الألوان ولا الطموحات ولا الرغبة في اكتشاف العالم من حوله. وهي ذات الصفات التي يرغب برؤية الآخرين يتصفون بها حتى يرتاح لكونه “طبيعيا” في المجتمع.

متى كان الركون للـ “الطبيعي” أمرا حميدا؟ هل من الأجدر بأصحاب الهمم الجلوس في البيت والاكتفاء بما يفعله الآخرون حتى يحوزوا على رضاهم؟ هل ستتغير حياتنا للأفضل إذا ما كنا ذوو صبغة واحدة وتوجه واحد؟

إن من يقود التغيير في أي مجال هم أولائك الذين يبحثون باستمرار عن فعل غير المألوف (والمفيد طبعا). وكم من صاحب رؤية جديدة أو مشروع جديد أو حتى هواية جديدة واجه من التندر والتهكم ولكنه لم يلتفت له إيمانا منه بأهمية وفائدة ما يقوم به.

فعوضا عن التهجم على هذه النوعية من أهل العزم والفكر المتجدد والمتقد، حري بنا احتضانهم وتحفيزهم على اكتشاف الجديد في هذا العالم الكبير من حولنا. فنحن  لا نعلم أي أشخاص سيكون هؤلاء لو أنهم تركوا ما يقومون به واستمروا في فعل ما نفعله يوما بعد يوم وسنه بعد أخرى.

السيد سوق.. مفهوم غراهام العبقري

mr market

السيد سوق أو (Mr. Market)، هو المصطلح الذي صاغه بنيامين غراهام، الأب الروحي لاستثمار القيمة (Value Investing). والذي استخدمه لكي يبسّط فكرته الاستثمارية لعموم المستثمرين من غير المختصين في المجال الاستثماري. وذلك في كتابه الشهير “المستثمر الذكي”.

تتلخص فكرة “السيد سوق” في افتراض أنك أحد رجلين يمتلكان شركة بالتساوي بينها. وأن شريكك (السيد سوق) يقوم بصورة يومية إما بعرض حصته بالشركة للبيع، أوتقديم عروض لشراء حصتك فيها. والذي يميز هذا الشريك أنه عاطفي جدا ولا يعبأ بالأداء الفعلي للشركة، على المدى القصير على الأقل. بل إن كل ما يرغب به هو عرض المزيد من الحصص (الأسهم) للبيع وطلب المزيد منها للشراء بناء على مزاجه اليومي. فأحيانا ينتاب السيد سوق القلق والخوف، فيقوم بعرض كل ما لديه من الأسهم بأدنى الأسعار لمجرد التخلص منها. وأحيانا أخرى يغمره الفرح والتفاؤل وتنفتح شهيته للمزيد من الأسهم فيقوم بتقديم عروض شراء سخية. وفي كلا الحالتين، الخوف الشديد والفرح الغامر، ترتفع الأسهم في البورصة وتنخفض بناء على مزاج هذا السيد النبيل.

ينصحنا غراهام بعدم أخذ التصرفات الطائشة للسيد سوق على محمل الجد. بل يتوجب علينا انتظار الوقت المناسب للشراء وذلك عندما يقوم السيد سوق بعرض الأسهم بسعر زهيد يقل عن القيمة الفعلية لها. وكذلك الحال في حالة بيع الأسهم، حيث من المجدي انتظار الفترة التي ينتشي بها السيد سوق ويقوم بعرض الملايين من الدولارات طمعا في شراء أسهمك، فتقوم حينها ببيعها عليه بأعلى الأسعار. وهو بذلك يعطينا درسا في كيفية التحكم بعواطفنا المالية، ويحذرنا من الانقياد ورائها بغية الربح السريع في البورصة، ويذكرنا كذلك بأهمية الصبر عندما يتعلق الأمر بشراء أو بيع الأسهم.

هذا النهج بطبيعة الحال لا يعني بأي حال من الأحوال الاتجاه نحو ما يسمى بـ “توقيت السوق”، وهي الاستراتيجية الاستثمارية التي تعتمد على تحيّن الوقت المناسب لتداول الأسهم بيعا وشراء. والتي قد ترتكز على عوامل أخرى لا تتعلق بأداء الشركات الفعلي، والاكتفاء بحركة البيع والشراء التي يقوم بها المستثمرون الآخرون، بغض النظر عن أي عوامل أخرى. فكما هو معروف، فإن غراهام هو أول من تحدث عن أهمية الدراسة المتأنية والمعمقة لأي شركة ينوي المستثمر شراء أسهمها. وبالتالي فإن نهج غراهام الاستثماري أبعد ما يكون عن الاكتفاء بمتابعة حركة السوق. بل إن جل ما يعملنا إياه هو أن نستثمر في الشركات ذات الأداء الممتاز بقيمة زهيدة مقارنة مع قيمتها الفعلية أو الحقيقة كما يسميها البعض.

الأمان ثم الأمان ثم الأمان

451

الأمان هو الرصيف الذي يرتفع على جنبات مشوارنا الاستثماري. هو الاشتراط الأكثر مطالبة لكل مسعى استثماري حقيقي. جميع الاستثمارات التي تخلو من هذا الاشتراط ولو بأدنى درجاته، هي أقرب للمقامرة منها للاستثمار. قد تنجح محاولات البعض في تنمية ثرواتهم بطرق تخلو من الأمان، ولكن العبرة في ديمومة هذا النجاح وليس في موسميته. فالمستثمر الحقيقي هو الذي يستمر على نهجه في تحقيق العوائد (مهما كانت ضئيلة) وفي ظل منظومة أمان مريحة واحترافية.

من غريب ما أسمع من وقت لآخر قول البعض بأن المعنى الحقيقي للاستثمار يكمن في المغامرة، وأن المستثمر الحقيقي يجب أن يكون مغامرا من الدرجة الأولى. هذه الأقوال تكثر عادة في أوقات الرخاء والانتعاش الاقتصادي، حيث تبلغ الأرباح والعوائد الاستثمارية عنان السماء. ففي تلك الفترات يكاد كل من يستثمر في الأسهم يربح، فالسهم الذي تشتريه اليوم غالبا ما يرتفع غدا محققا لك أرباحا مجزية وسريعة. الأمر الذي قد يدفعك للظن بأنك عبقري من الطراز الأول. وبالتالي كانت جمل مثل “المستثمر الجيد يجب أن يكون مغامرا لا يخشى المخاطر” تعتبر جملا شائعة ويتغنى بها العديد من المضاربين. بل إن الحديث عن عوائد كـ (10%) لم تكن لتشفي غليل هؤلاء المضاربين الباحثين عن الـ (50% و100%).

ولكن يبقى السؤال: كيف هو حال هؤلاء اليوم مع تدهور الاقتصاد وتلوّن البورصات العاليمة بالأحمر؟ هل مازالوا يتحدثون عن “مغامرات” لاستثماراتهم؟ هل مازالوا يملكون قلوب جريئة تخوض غمار التقلبات في البورصات والتي أغلبها تتجه نحو الجنوب (خسائر)؟ هل مازالوا يظنون بأنهم عباقرة أفذاذ قل نظيرهم؟

أن الفهم الدقيق لمعنى الاستثمار يحمل صاحبه لإدراك كنه هذه الكلمة التي سيء استخدامها مع مرور الزمن. فمن تنمية للمال، أصبح الاستثمار قرينا للمقامرة واقتناص الفرص وتحقيق أرباح سريعة وبلا تعب يذكر. وهذا الفهم الخاطئ لمعنى الاستثمار جعل بعض العاملين في المجال الاستثماري مصاصي دماء أكثر منهم زارعي أصول باحثين عن أرباح مستدامة وبعوائد معقولة. وأصبحت النظرة للاستثمار الناجح هي بكونه يحقق أرباحا كبيرة و “سريعة” وإلا فهو استثمار “عجائز” ولا فائدة ترجى منه.

وللتأكد من دور الأمان في تسيير عجلة الاستمثار، اقرأ في الإصدارات المالية لكل جهة استثمارية عريقة في الاستثمار وتعرف على إجراءات الأمان التي تتبعها وحجم المصاريف التي تضخها في سبيل تحويط جميع صنوف استثماراتها بجدار من الأمان. كذلك تستطيع الاطلاع على تجارب كبار المستثمرين العالميين وكيف يحرصون على بناء حصون منيعة لأصولهم الاستمثارية ولا يكتفون “بالمغامرة” التي يتشدق بها البعض.

صحيح أن المغامرة كفكرة تعتبر أمرا رائعا ودافعا لصاحبها للشعور بالقوة والرضى الداخلي. بالإضافة لدفعات الأدرينالين التي تضخ في سائر جسده مانحة إياه النشاط والانتعاش. إلا أن انتهاج المغامرة كسبيل للاستثمار فإنه يعد توجهاً خطيراً بل وفاشلاً أيضا. فما ينجح اليوم قد لا ينجح بالغد، عندها تصبح المغامرة وبال على صاحبها خصوصا إذا ما كانت مغامرة بحتة لا شبكة أمان فيها.

عادات صغيرة

71Hl84r0kBL._SL1500_

من خلال سعينا للتغيير للأفضل، نسعى جاهدين لتبني عادات جيدة أو التخلي عن أخرى سيئة. ولا يختلف اثنان على أن هذا المسعى ليس بالسهل وقد يدفع الكثير منا ثمنا غاليا في سبيل تحقيقه، سواء كان هذا الثمن مالا ندفعه أو جهدا نستهلكه أو وقتا نستغرقه. وفي جميع الأحوال فإن النتيجة الغالبة وللأسف هي الفشل. فلم نلتزم بادخار ما يكفي، ولم ننتظم في التدريبات الاسبوعية في النادي الصحي، ولم نتمكن من مواصلة القراءة بصورة يومية. هذه مجرد نماذج لأهداف لم تحقق وأحلام تبخرت وطارت أدراج الرياح نتيجة لعجزنا عن الالتزام بالخطوات التي تدفعنا لتحقيقها.

عادات صغيرة

في كتابه القيم (Mini Habits)، يتطرق الكاتب ستيفن جايز لفكرة إمكانية تحقيق تغيرات ثورية في حياة الإنسان من خلال تبني عادات جديدة بالتدريج، بل ببطء شديد جدا. الأمر الذي يساعدنا على زيادة وتيرة ممارستنا لهذه العادات مع مرور الزمن.

الفكرة على بساطتها إلا أنها تدفع بفكرة التطوير الذاتي إلى آفاق جديدة تختلف بعض الشيء عما هو سائد حاليا في أغلب ما يطرح في هذا النطاق، والذي يستند في أغلبه على حث الأفراد على تحفيز أنفسهم كي يتوجهوا للأفعال الصحيحة “دفعة واحدة” سواء بواسطة كتابة الأهداف أو بترديد عبارات إيجابية بصورة مستمرة أو غيره من التقنيات المعروفة والتي لاقت وما زالت رواجا كبيرا بين الناس. والفكرة التي تحدث عنها الكاتب وباختصار شديد هي أن نقوم يوميا بفعل بسيط جدا (قراءة صفحة من كتاب، عمل تمرين ضغط واحد، كتابة 50 كلمة يوميا…الخ) والالتزام بهذا الفعل يوميا حتى يحفر له مكانا ثابتا في عقولنا ويتحول من مجرد مسعى جديد إلى عادة ثابتة يسهل الاتزام بها. الفكرة بطبيعة الحال ليست بالجديدة ولكن الإضافة التي قدمها الكاتب هي مجموعة من الدراسات والتحاليل التي عززت الفكرة وطورتها بصورة علمية، ونقلتها من مجرد فكرة نظرية لتكون فكرة عملية ومجربة وذات نتائج ملموسة.

بادر الآن

أفضل وسيلة لاختبار نجاح هذه الفكرة من عدمه هو بأن تباشر بتطبيقها فورا. اختر عادة جيدة طلما تمنيتها، ثم ابدأ بتطبيقها بأصغر صورها. يجب أن يكون التطبيق سهلا جدا وممكنا لأكثر الناس كسلا وتسويفا. ومن أمثلة التطبيقات البسيطة للعادات الجديدة:

– قراءة صفحة واحدة يوميا (لمن يرغب باعتياد القراءة)

– عمل تمرين ضعط واحد يوميا (لمن يرغب بجسم رياضي)

– كتابة 50 كلمة يوميا (لمن يرغب بتأليف كتاب أو عمل مدونة)

– ادخار 1% من راتبك شهريا (لمن يرغب بالادخار)

ضاعف نتائجك

بمجرد التزامك بما سبق واعتيادك على ممارسة القليل وتحوله من هدف إلى عادة مستمرة، تكون قد أهلت نفسك للمرحلة الثانية في هذا المسعى، وهي أن تزيد وتيرة الفعل السابق وبصورة مشابهة للفعل الأول والذي غدا عادة ثابتة في حياتك. فبدلا من الاكتفاء بقراءة الصفحة الواحدة اقرأ الآن صفحتان أو ثلاث، وبدلا من تمرين الضغط الوحيد، قم بأكثر من ذلك بصورة لا تجهد فيها نفسك. واستمر في هذا الترقي بالعادات حتى تصل للمستوى المطلوب والذي طالما رغبت فيه منذ سنوات.

تمنياتي للجميع بعادات جيدة ومستمرة،

إن لم تعتن بوضعك المالي فمن سيفعل ذلك لك؟

 

استغرب ممن يتفنن في خلق المبررات والأعذار للتغطية على كسله في إدارة أمواله. فمن يخدع بهذه الحجج والأعذار؟ أو ليست حياته وحياة من يُحب هي التي على المحك؟ أليس هو، وهو فقط، الوحيد المعني بالتعامل مع مشاكله المالية؟ أتمنى أن يدرك هؤلاء أن التقدم والتطور في هذه الحياة سُنة كونية وليس خيارا. فمن يسعى لتغيير وضعه المالي (مهما كان عسيرا) فهو أفضل ألف مرة من ذلك الذي يتلذذ بإلقاء اللوم على الآخرين ويكيل الشتائم “للظروف”. إن من أساسيات تنمية الذات بشكل عام، وإدارة الأموال الشخصية بشكل خاص، هي إدراك وضعك الحالي والاعتراف به ثم السعي لتغييره للأفضل بأي وسيلة متاحة، دون كلل أو ملل.

والأغرب كذلك أن من بين الرسائل التي تصلني من المتابعين والقراء، فإن الأكثر إيجابية ونجاحا في تحسين أمورهم المالية، هم أولائك الذين يعانون أشد الصعاب في حياتهم. والذين يوشكون على الانهيار لولا إصرارهم على الوقوف على أقدامهم ومجابهة مشاكلهم مهما بلغت. وعلى النقيض من هؤلاء، فإن هناك من يستسلم لأتفه الأسباب، رغم امتلاكه للكثير من الأدوات والخيارات والفرص التي يمكنه استغلالها لحل أعتى المشاكل.  

 

اعلموا أحبتي أني لا أدعي هنا المثالية، ولست بأفضل منكم في الارتقاء بنفسي في جميع الأحوال. فأنجحُ وأفشل، وتحتويني السلبية أحيانا، ولكني لا أركن لليأس. فلو أتى اليأس بالنتائج لما خلا منه بيت أو صدر إنسان أو عقله.

ودمتم