الاستثمار وبناء الجسور

banner_Innocap

“عندما تبني جسرا مخصصا لعبور حمولة إجمالية بمقدار 10 أطنان فمن الأفضل لك بناءه ليتحمل ما مقداره 30 طن. وهذا الأمر يسري على الاستثمار في الأسهم كذلك” – وارين بافيت

والعبرة الجلية من كلام بافيت، حكيم أوماها كما يسميه خبراء الأسهم، هي أهمية الاحتياط وتوقع الأسوأ عندما يتعلق الأمر في الاستثمار في الأسهم. وهي الفكرة التي استقاها حكيم أوماها من أستاذه بنيامين غراهام عندما سُئل عن أهم قاعدة في الاستثمار فقال: هامش الأمان. والمقصود به شراء الأسهم بفارق كبير عن قيمتها الحقيقية أو العادلة.

وعلى الرغم من تعقيدات عالم الأسهم التي يتشدق بها العديد من البيوت الاستثمارية والمحللين الماليين الساعين للظهور بمظهر العباقرة، إلا أن فكرة هامش الأمان (Margin Of Safety) تبقى أحد أهم ركائز استثمار القيمة (Value Investing) والتي ظلت على مر العقود تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها الأفضل للمستثمرين من حيث عوائد الاستثمار في الأسهم وبدرجة أمان كبيرة مقارنة مع غيرها من استراتيجيات الاستثمار الأخرى.

إن الالتزام بشراء الأسهم بأسعار تقل كثيرا عن قيمتها السوقية أمر له فوائد عدة، منها أنه يشكل ضمانا ضد الخطأ في الحسابات. فقد تُخطيء كمستثمر في حساباتك التي على أساسها قمت بالاستثمار في الشركة، وعليه يصبح لديك مجالا للربح حتى في حالة هبوط سعر السهم، فقد قمت بشرائه بفارق مريح يضمن لك الخروج وتصحيح الخطأ قبل تكبد خسائر. كما تساعدك هذه الاستراتجية على تصفية الشركات التي تقوم بالمقارنة فيما بينها من حيث الأداء المالي، وبالتالي ستختار تلك التي تمنحك هامش أمان أكبر (فارق أكبر بين السعر الحقيقي والسعر السوقي).

وفي جميع الأحوال، فإن شراء الأسهم بأسعار رخيصة يعتبر أمرا محمودا من الناحية الاستثمارية، فالأرباح التي ترافق هكذا شراء، خصوصا إذا كان لشركات معتبرة وذات أداء مالي قوي، تساعد صاحبها على تحقيق ثروة اذا ما استمر على هذا النهج الاستثماري الحصيف.

ولعل الرومان لم يغفلوا عن هذا الأمر كذلك عندما اشترطوا على المهندسين والعمال الذين يقومون ببناء الجسور، النوم تحتها بعد اكتمال بنائها لكي يتأكدوا من سلامتها ولحثهم على الدقة في بنائها وعدم التفريط في اشتراطات السلامة.

هدف لكل شهر

2016منذ فترة توقفت عن تجديد الكتابة في موضوع طرق ووسائل وضع الأهداف السنوية، خصوصا تلك التي تحدد ما الذي يجب فعله بالضبط (خطوة بخطوة) لكي نتمكن من تحقيق مختلف أهدافنا في بداية العام الجديد. والسبب في ذلك إحساسي بتكرار الأفكار والمقترحات التي طالما تحدثت عنها، وكذلك بسبب رغبتي في إيجاد وسائل أكثر سهولة في التطبيق ولو كانت ذات مردود أقل ولا تتطلب الالتزام الكامل بالتخطيط النمطي المعروف.

وفي القادم من سطور، سأضع بين يديك عزيزي القاريء طريقة مبسطة لتحقيق الأهداف، قمت باعتمادها منذ زمن وما زلت أجد فيها ضالتي فيما يتعلق بتحقيق الأهداف الصغيرة. وأشدد هنا على أن تطبيقي لهذه الطريقة البسيطة ينحصر في الأهداف والإنجازات السهلة والقصيرة، وليس في الأهداف طويلة الأجل أو تلك التي تتطلب نضجا تخطيطيا ومثابرة في سبيل تحقيقها. ولكن تبقى هذه الآلية، شأنها شأن باقي الأدوات التطويرية، أداة يمكن استخدامها وتطويرها مع مرور الوقت بحيث تتناسب مع كل أنواع الأهداف. وقد يجد فيها البعض وسيلة مناسبة للوصول لأهداف أكبر. والتجربة كما يقال خير برهان.

الطريقة باختصار تكمن في تخصيص كل شهر من أشهر السنة الجديدة لتحقيق هدف واحد فقط. بحيث يتم تركيز جميع طاقات وملكات الإنسان في اتجاه واحد وخلال شهر كامل. وبصورة تمكنه من تحقيق اثنا عشر هدفا خلال العام. هذه الطريقة، والتي لا تتعدى كونها فكرة أكثر منها طريقة، على بساطتها إلا أن المنظور الذي تمنحه لمستخدمها يسهم كثيرا في تعزيز ثقته بنفسه من خلال إعطائه فترة طويلة (نسبيا) لتحقيق أهداف بسيطة كقراءة كتاب، أو الالتزام برياضة المشي اليومي، أو التواصل مع أشخاص أعزاء طال فراقهم، أو تعلم رياضة معينة. بالإضافة إلى أنها تحمي صاحبها من التشتت الذي يرافق عادة عملية تنفيذ الخطط المرسومة مسبقا. فمن يسعى لتخفيف وزنه مثلا قد ينشغل بالرياضة عن القراءة وعن التفكير في كيفية تحسين وضعه المالي والبحث عن مصادر دخل جديدة، وعن الالتفات لأسرته. والأمر كذلك مع بقية الأهداف الصغيرة التي نملأ بها عقولنا وقلوبنا ولكن نفشل في السعي لتحقيقها بصورة متوازنة وعادلة.

الجميل كذلك في هذه التقنية أنها تتيح لنا وصف الأشهر بالأهداف المتربطة بها، فهذا شهر القراءة والذي يتبعه شهر الجري ثم شهر السفر …إلخ. ففي نهاية المطاف، الأمر نفسي بحت ولا علاقة له بالتفكير العقلاني، فالإنسان ينجز كل ما يستسيغه وليس بالضرورة كل ما يقدر عليه.

عام سعيد ومليء بالإنجازات أتمناه لكم،