الأمان ثم الأمان ثم الأمان

451

الأمان هو الرصيف الذي يرتفع على جنبات مشوارنا الاستثماري. هو الاشتراط الأكثر مطالبة لكل مسعى استثماري حقيقي. جميع الاستثمارات التي تخلو من هذا الاشتراط ولو بأدنى درجاته، هي أقرب للمقامرة منها للاستثمار. قد تنجح محاولات البعض في تنمية ثرواتهم بطرق تخلو من الأمان، ولكن العبرة في ديمومة هذا النجاح وليس في موسميته. فالمستثمر الحقيقي هو الذي يستمر على نهجه في تحقيق العوائد (مهما كانت ضئيلة) وفي ظل منظومة أمان مريحة واحترافية.

من غريب ما أسمع من وقت لآخر قول البعض بأن المعنى الحقيقي للاستثمار يكمن في المغامرة، وأن المستثمر الحقيقي يجب أن يكون مغامرا من الدرجة الأولى. هذه الأقوال تكثر عادة في أوقات الرخاء والانتعاش الاقتصادي، حيث تبلغ الأرباح والعوائد الاستثمارية عنان السماء. ففي تلك الفترات يكاد كل من يستثمر في الأسهم يربح، فالسهم الذي تشتريه اليوم غالبا ما يرتفع غدا محققا لك أرباحا مجزية وسريعة. الأمر الذي قد يدفعك للظن بأنك عبقري من الطراز الأول. وبالتالي كانت جمل مثل “المستثمر الجيد يجب أن يكون مغامرا لا يخشى المخاطر” تعتبر جملا شائعة ويتغنى بها العديد من المضاربين. بل إن الحديث عن عوائد كـ (10%) لم تكن لتشفي غليل هؤلاء المضاربين الباحثين عن الـ (50% و100%).

ولكن يبقى السؤال: كيف هو حال هؤلاء اليوم مع تدهور الاقتصاد وتلوّن البورصات العاليمة بالأحمر؟ هل مازالوا يتحدثون عن “مغامرات” لاستثماراتهم؟ هل مازالوا يملكون قلوب جريئة تخوض غمار التقلبات في البورصات والتي أغلبها تتجه نحو الجنوب (خسائر)؟ هل مازالوا يظنون بأنهم عباقرة أفذاذ قل نظيرهم؟

أن الفهم الدقيق لمعنى الاستثمار يحمل صاحبه لإدراك كنه هذه الكلمة التي سيء استخدامها مع مرور الزمن. فمن تنمية للمال، أصبح الاستثمار قرينا للمقامرة واقتناص الفرص وتحقيق أرباح سريعة وبلا تعب يذكر. وهذا الفهم الخاطئ لمعنى الاستثمار جعل بعض العاملين في المجال الاستثماري مصاصي دماء أكثر منهم زارعي أصول باحثين عن أرباح مستدامة وبعوائد معقولة. وأصبحت النظرة للاستثمار الناجح هي بكونه يحقق أرباحا كبيرة و “سريعة” وإلا فهو استثمار “عجائز” ولا فائدة ترجى منه.

وللتأكد من دور الأمان في تسيير عجلة الاستمثار، اقرأ في الإصدارات المالية لكل جهة استثمارية عريقة في الاستثمار وتعرف على إجراءات الأمان التي تتبعها وحجم المصاريف التي تضخها في سبيل تحويط جميع صنوف استثماراتها بجدار من الأمان. كذلك تستطيع الاطلاع على تجارب كبار المستثمرين العالميين وكيف يحرصون على بناء حصون منيعة لأصولهم الاستمثارية ولا يكتفون “بالمغامرة” التي يتشدق بها البعض.

صحيح أن المغامرة كفكرة تعتبر أمرا رائعا ودافعا لصاحبها للشعور بالقوة والرضى الداخلي. بالإضافة لدفعات الأدرينالين التي تضخ في سائر جسده مانحة إياه النشاط والانتعاش. إلا أن انتهاج المغامرة كسبيل للاستثمار فإنه يعد توجهاً خطيراً بل وفاشلاً أيضا. فما ينجح اليوم قد لا ينجح بالغد، عندها تصبح المغامرة وبال على صاحبها خصوصا إذا ما كانت مغامرة بحتة لا شبكة أمان فيها.