كيف نفهم غراهام؟

benjamin_graham.giولمن لا يعرفه، فهو بنيامين غراهام (1894 – 1976) الأب الروحي لاستثمار القيمة (Value Investing) وذلك من خلال تدريسه في جامعة كولومبيا وكذلك من خلال كتابيه الأكثر شهرة والمتداولان إلى يومنا هذا (Security Analysis 1934) و (The Intelligent Investor 1949).

بالإضافة إلى مساهماته العديدة في مجال التحليل المالي بشكل عام، يعتبر غراهام المُلهم الأول للعديد من تلامذته وعلى رأسهم الملياردير الأمريكي وارين بافيت، والذي يعتبِر غراهام ثاني أهم شخص أثّر في حياته بعد أبيه. وبافيت الذي بنى ثروته من خلال أفكار غراهام الاستثمارية يُصر على أن أفكار معلمه تصلح اليوم كما في جميع الأوقات لكل مستثمر في الأسهم، وبالتالي لا يراها قابلة للتغيير على مر العصور.

من خلال قراءتي للكتابين السابقين ولعشرات الكتب التي تتحدث عن استثمار القيمة وعن غراهام نفسه، وكذلك من خلال الحوارات التي أجريها مع عدد من المختصين في مجال الاستثمار، لاحظت أن هناك سوء فهم صغير ولكنه جوهري في الطريقة التي يجب التعامل بها مع أفكار هذا العَلَم الكبير.

باختصار، يلجأ الكثير من محبي غراهام لانتهاج أسلوبه الاستثماري بحذافيره وبنفس المعادلات التي استخدمها منذ عشرات السنين، وهذا الأمر جيد بشكل عام إذا ما تم “تهيئته” بصورة تناسب الوضع الحاضر، خصوصا فيما يتعلق بالمعادلات والأرقام المستخدمة، أما الاعتماد عليها كليةً دون تعديل، فهذا أمر لا أراه مناسبا على إطلاقه.

ولتوضيح رأيي أكثر، إليكم بعض النقاط التي تستوجب التوقف عندها.

النهج هو الأهم

والمقصود بالنهج هنا هو الأسلوب الاستثماري الذي يعتمد على تحليل الشركات جيدا قبل الاستثمار بها، واختيار الشركات ذات الأسهم الرخيصة، والتركيز على الإدارة التنفيذية للشركة، وكذلك على الاستثمار بهامش أمان (Margin of Safety) معقول. وهذه الأمور، والتي تشكل أساس استثمار القيمة هي الواجب الالتزام به بغض النظر عن السوق التي تستثمر بها أو الحقبة الزمنية التي تستثمر بها.

تريّث في المعادلات

يتم الاستفادة من المعادلات التي وضعها غراهام  كالتالي:

المعادلة نفسها: لا يتم الاعتماد عليها كأرقام ونتيجة.

أركان المعادلة: يتم الاستفادة منها من حيث تأثيرها على اختيار السهم من عدمه.

مثال: إحدى المعادلات الشهيرة لغراهام هي اختيار الشركات التي يتم تداولها بسعر يقل عن قيمة صافي رأس مالها العامل.

صافي رأس المال العامل = الأصول المتداولة – إجمالي الالتزامات

وهذه المعادلة تحديدا، وعلى بالرغم من قوتها في تصفية الشركات المرشحة للاستثمار، إلا أنها صعبة التطبيق جدا في الوقت الحاضر، خصوصا مع التغييرات الكبيرة التي تمت على هياكل الشركات وطرق المحاسبة عن بعض الأصول فيها. وبالتالي فمن الأفضل التعامل معها من جهتين:

الأولى: عدم الالتزام بتطبيق المعادلة حرفيا.

الثانية: الاستفادة من العناصر المكونة لهذه المعادلة (الأصول المتداولة والالتزامات) وذلك من خلال التركيز على الشركات ذات الأصول المتداولة المعتبرة والالتزامات القليلة.

وبهذه الطريقة نكون قد استفدنا من الإطار العام للمعادلة ولم نكتف بأرقامها فقط.

الأنماط الجديدة للشركات

أمر آخر يجب التنبه له عند دراسة تعاليم غراهام، وهو ظهور أنماط جديدة من الشركات، مثل شركات التكنولوجيا والتي لم تكن موجودة على أيام غراهام. وبطبيعة الحال لا يمكن تطبيق العديد من معادلات غراهام عليها نظرا لتفردها بنموذج أعمال استثنائي ويتطلب دراسة مختلفة.

أدوات التحليل المتطورة

في الوقت الحالي (وبعكس زمن غراهام) تطورت أدوات التحليل المالي للشركات، فقد تم إدخال تقنيات حديثة جدا من شأنها تسهيل القيام بالعديد من المعادلات بكل سهولة ويسر. وعليه فقد أصبح موضوع تصفية شركات معينة قبل دراستها بالتفصيل أمرا متاحا للكثيرين، في الوقت الذي كان أمرا غاية في الصعوبة وغير متاح إلا لقلة فقط على أيام غراهام.

هناك طبعا بعض التفاصيل الأخرى التي تدخل في موضوع ملائمة أفكار غراهام للعصر الذي نعيش فيه، إلا أنني آثرت الاختصار تسهيلا للقرّاء والاكتفاء بلفت الانتباه لأهمية إعمال الفكر قليلا قبل تطبيق ما قاله هذا المفكر الجهبذ.

ودمتم،

Twitter: @faisalkarkari

2 thoughts on “كيف نفهم غراهام؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s