اكبح جماح عاطفتك الاستثمارية

خالِف هواك فإن الهوى يقود النفوس إلى ما يُعاب

الإمام الشافعي

تلعب العاطفة دورا كبيرا في حياة كل إنسان منا بلا استثناء، وتعتبر العاطفة الاستثمارية جزءا مهما جدا من العاطفة الإنسانية بشكل عام. ومن المفيد لمن أراد الدخول إلى عالم الاستثمار أن يتعرف على أهم الدوافع التي تجعل المستثمر يتخذ قراراته الاستثمارية، ومحاولة السيطرة على هذه الدوافع بصورة تُمكّنه من إحكام قبضته على جميع تصرفاته في مجال الاستثمار، فقد يؤدي التمسك بسلوك عاطفي معين إلى الإضرار بالمصلحة المالية للمستثمر. من الأقوال الشهيرة لبنيامين غراهام:

عندما يتعلق الأمر بالاستثمار، أنت أسوأ أعدائك

فيما يلي من السطور سنتعرف على مجموعة من هذه العواطف وكيفية معالجتها بطرق عملية وسهلة التطبيق. سنبدأ أولا بذكر العواطف الاستثمارية مقتضبة، ومن ثم سنبين بعض طرق العلاج المناسبة لها.

الأمل

قد تبدو هذه الكلمة جميلة عندما نتحدث عن الأمل كأحد الوسائل للتغلب على اليأس والقنوط، وقد تبدو علاجا لكثير من المشاكل النفسية التي يعاني منها المجتمع. ولكن عندما يتعلق الأمر بالاستثمار، فإن لهذه الكلمة وقع آخر، فعندما يقوم المستثمر بشراء أسهم شركة معينة “أملا” في ارتفاع أسهمها، أو عندما يحتفظ باستثمار سابق ومبني على أسس غير سليمة، وذلك على أمل تحسن الأوضاع فإنه بذلك يتعلق بأهداب أمل زائف لا يغني ولا يسمن من جوع. أكثر من يعاني من هذه العاطفة هم المضاربين، فالأمل هو أول إحساس ينتابهم بعد شرائهم لأي سهم، ويبقى هذا الإحساس مترافقا معهم حتى التخلص من هذا السهم عن طريق بيعه ومن ثم يعاودهم نفس الشعور خلال عملية الشراء التالية هكذا ودواليك، فعملية تعلقهم بالآمال مستمرة ولا نهاية لها.

الاستثمار في شركات أو مجالات محبوبة

لا بأس بأن تحب ما تشاء من الشركات أو المجالات، كالرياضة أو الأغذية أو العقارات، ولكن احذر أن يؤدي هذا الحب إلى التأثير على تفكيرك حين تُقدِم على شراء أسهم جديدة. ففي الغالب، يُؤثِر الناس الاستثمار في الأمور التي يحبونها ويتعاطفون معها، فقد يتحرق مستثمر ما لوضع أمواله في شركة تنتج سلعة محبوبة أو مألوفة له، وبناء عليه فقد يتغاضى عن رؤية المشاكل والمؤشرات التي قد تمنعه من الاستثمار في هذه الشركة، الأمر الذي يعرضه لخسارة أمواله التي وقعت ضحية لهذه العاطفة السيئة “استثماريا”.

الحاجة لفعل شيء ما

والمقصود هنا هو الرغبة العارمة للمستثمرين بعمل شيء ما (مثل شراء أو بيع سهم معين) من أجل الإحساس بأنهم يُديرون استثماراتهم بصورة فعّالة. تظهر هذه العاطفة جلية عند الدخول في نقاشات مع بعض المستثمرين، أو من يسمون أنفسهم بالمستثمرين، فتجد الأغلبية يتحدثون عن آخر صفقاتهم الاستثمارية وكأنها ملاحم سطروا من خلالها أعظم صور الانتصارات في مجال الاستثمار. وقلما نجد من يقتصر في حديثه الاستثماري على محفظته الاستثمارية الحالية فقط. قام مجموعة من العلماء بدراسة ردة فعل حراس المرمى في حالات ركلات الجزاء. تبين من الدراسة أنه و بنسبة 94%، فإن حارس المرمى يقوم باختيار جهة معينة من المرمى (يمين أو يسار) ليرتمي باتجاهها وذلك قبل تسديد اللاعب للكرة. بينما لا يظل الحارس واقفا في منتصف المرمى إلا في 6% من الحالات فقط. على الرغم من أن مجرد بقاء الحارس في مكانه بلا حراك فإنه يحظى بنسبة 60% لصد ركلة الجزاء. وعندما سُئل الحراس عن استمرارهم في الانقضاض على الكرة بعد معرفة هذه المعلومة، كان الجواب بأنهم لا يستطيعون الوقوف في وسط المرمى دون عمل شيء وأنهم بحاجة لعمل أمر ما لصد الكرة. فالإحساس الذي يلي تسجيل الهدف بعد وقوفهم دون حراك هو إحساس سيء جدا بينما الأمر يختلف تماما عند تحركهم في جهة معينة حتى لو لم يتمكنوا من صد الكرة.

التفكير الجماعي

يتأثر العديد من المستثمرين بآراء المجاميع التي ينتمون لها، كالأسرة أو زملاء العمل أو الخبراء في مجال معين. فعلى سبيل المثال عندما يدخل عدد معين من المستثمرين في نقاشات مستمرة ويومية عن آخر الأوضاع الاقتصادية وأحدث الأخبار أو الإشاعات في أسواق المال فإنهم، ودون شعور منهم بذلك، يقومون باتخاذ قرارات استثمارية متشابهة، سواء تعلقت هذه القرارات بشراء أو بيع سهم معين أو الانتظار حتى تحين الفرصة المناسبة للدخول في فرصة استثمارية جديدة. والسبب في ذلك أنهم يعتقدون بتفوق المجموعة التي ينتمون لها، ومن خلال الركون لآراء المجموعة فسيكونون بمأمن من خسارة أموالهم.

الخوف من ضياع الفرص المتاحة

يسارع بعض المستثمرون إلى استغلال الفرص الاستثمارية المتاحة أمامهم خوفا من ضياعها وعدم تكرارها في المستقبل. وكلما سنحت لهم فرصة جديدة تجدهم يتحرقون شوقا لانتهازها، وهم على استعداد “لحفر الصخر” من أجل الحصول على الأموال اللازمة للاستثمار في هذه الفرص حتى لو تطلب الأمر الاقتراض من البنوك لإتمام عملية الاستثمار. وبغض النظر عن نوعية الفرص المتاحة أمامهم ومدى جدواها، فإن التعويل على كون هذه الفرص متوافرة حاليا ولن تتكرر مستقبلا أمر خطير وقد يدفع المستثمر إلى الإسراع في تبديد أمواله التي بين يديه وتضييع فرص أفضل في المستقبل.

العلاج

بعد التعرف على بعض العواطف التي تسيطر على العديد من المستثمرين، والتي تُعرضهم لضياع أموالهم إذا ما تركوا أنفسهم ضحية لها واستسلموا لنتائجها. وفي ما يلي بعض الوسائل العلاجية التي من شأنها الحد من انقياد المستثمر وراء هذه العواطف، والتي في ميسور أي مستثمر اتباعها بقليل من التدريب والممارسة.

أولا: الدراسة المتأنية

بالدراسة المتأنية لأي فرصة استثمارية تتاح لك، فإنك تقطع الطريق على عاطفتك الاستثمارية بجميع أشكالها من التدخل في أي قرار استثماري أنت بصدده، خصوصا تلك القرارات المتعلقة بشراء أسهم جديدة. فالدراسة السليمة عمياء عاطفيا ولا تتأثر بغير لغة الأرقام والحقائق، وبالتالي فإنها تُحصّن صاحبها من اتباع أهوائه والوقوع في شَرَك السلوكيات العاطفية التي لا تعتمد على نهج استثماري صحيح.

ثانيا: الصبر

وهو من أكثر العلاجات نَجاعَة في مجال الاستثمار، وعلى الرغم من كونه يسبب الملل للمستثمرين، ويترك لديهم انطباعا بأنهم مستثمرين سلبيين (Passive Investors) وغير فعالين في إدارتهم لاستثماراتهم، إلا أنه أداة فعالة جدا في محاربة العواطف الاستثمارية التي تجيش بالعديد من المستثمرين وتُرغمهم على اتخاذ القرارات الخاطئة وفي الأوقات الخاطئة.

ثالثا: التخطيط الاستثماري السليم

كلما كان للمستثمر خطة استثمارية واضحة المعالم، كلما كان بمأمن من الوقوع ضحية للاستثمار العشوائي والمبني على عدد من العواطف سابقة الذكر. بالإضافة إلى ذلك فإن التخطيط المسبق يمنح صاحبه القدرة على تجاهل المغريات التي قد يتعرض لها المستثمرين من فرص استثمارية واعدة ومشاريع ضخمة تُبشِر بعوائد “خيالية”.

رابعا: التفرد بالرأي

ليس المقصود بالتفرد هنا هو العجرفة والاعتداد بالنفس وعدم الاستماع لنصائح الآخرين بشكل عام، بل الغاية من التفرد بالرأي في هذا السياق هو الاستقلالية وعدم الانقياد وراء آراء المجاميع التي تنتمي لها دون إعمال الفكر والتحليل المناسب قبل الإقدام على اتخاذ القرارات الاستثمارية بمختلف أشكالها.

خامسا: الاعتماد على الحقائق

من الأقوال المأثورة للاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز:

عندما تتغير الحقائق، أغير رأيي. ماذا عنك أنت؟

إن الاعتماد على الحقائق في دراستنا للفرص الاستثمارية يمثل حاجزا ضخما في وجه التأثر بالآراء والمعتقدات الخاطئة، سواء تلك الخاصة بالمستثمر نفسه أو بالمحيطين به ممن يستمع إليهم. كما أن تغير الحقائق يجب أن يؤدي إلى تغيير المستثمر لآرائه دون حرج، ففي نهاية الأمر، يبقى الربح هو الدافع الأساسي لكل من يستثمر في أسواق المال. وكمثال على الفرق بين الحقيقة والمعلومة، فإن إعلان شركة مدرجة في البورصة بأن أرباحها لهذا العام بلغت عشرة ملايين دينار فإن هذه حقيقة، أما استماعك لصديقك الذي “يؤكد” بأن هناك زيادة متوقعة في أرباح شركة معينة بنسبة 50%  فإن هذه معلومة وليست حقيقة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s