درس ساعة أبل 

منذ فترة وجيزة، أُهديت ساعة أبل (Apple Watch). ورغم كرهي المعتاد لإحكام الساعات على معصمي، إلا أنها راقت لي، لا لشيء إلا لأنها دفعتني دفعاً لممارسة الرياضة. الرياضة التي عادة ما أطلقها طلاقا بائنا خلال فترة صيف الكويت القائظ. وما كان تحفيز الساعة لي من خلال نصيحةً قدمَتها لي، ولا جدولاً طالبتني بالالتزام فيه، ولا فيديو عرضَته عليّ. إنما مجرد دائرة صغيرة ملونة ذات ثلاثة خطوط بوسط الساعة تبين مقدار ممارستي للرياضة خلال اليوم. خط للدقائق التي أقف فيها خلال كل ساعة، وآخر لعدد السعرات الحرارية المحروقة، وثالث لعدد الدقائق التي أتحرك فيها بسرعة.

في بداية الأمر تجاهلت هذه الدائرة بخطوطها الثلاث، ولم أكترث بها. ولكني، ومن باب الفضول، كنت استرق النظر إليها من وقت لآخر لأرى ما التغيرات التي تطرأ عليها خلال اليوم. فلاحظت زحف خطوط الدائرة نحو الاكتمال كلما قمتُ بأية حركة، سواء في البيت أو خارجه. وكانت هذه التغيرات تحدث بمجرد قيامي بحركات بسيطة دون ممارسة التمارين الرياضية المتعارف عليها.

ولفك طلاسم هذا الأمر، بدأت أقرأ عن الساعة وكفية متابعتها لحركتي خلال اليوم. أدركت حينها أن هدف الساعة لا يكمن في حثي على “الرياضة” كما نعرفها (جري، رفع أثقال، سباحة… إلخ) إنما جل ما ترنو إليه هو تحفيزي على “الحركة” فقط.

وبعد إدراكي لغاية الساعة، أصبحت أشعر براحة أكثر من ذي قبل تجاه صحتي بشكل عام، وحركتي بشكل خاص. حيث تلاشت فكرة الكمالية في أداء الرياضة، والتي لطالما مزقت تفكيري بين الالتزام التام في ممارستها ، وبين الإهمال الكامل لها. وعلمتني كذلك مهارة فعل القليل والمداومة عليه.

لم أكتب هذه التدوينة لأقدم دعاية لساعة أبل أو غيرها (هناك العديد من العلامات التجارية التي تقدم نفس المنتج) ولكني أحببت أن أشارككم في التأكيد على أهمية الأفعال الصغيرة، خصوصا في حال المداومة عليها. ولهذا الأمر اعتبارات جمة في عالم المال أيضا، خصوصا في حالة الادخار. حيث تلعب المبالغ الصغيرة التي ندخرها دورا عظيما في تنمية ثرواتنا وتحسين أوضاعنا المالية إذا ما التزمنا في المداومة عليها.

ومن العوامل المساعدة على تحفيزنا على الادخار، هو رؤية نتيجة ادخارنا. فلا تكتف بتحويل الأموال للبنك و”نسيانها” هناك. بل اطلع عليها من وقت لآخر واسعد بنتيجة ملازمتك للادخار المنتظم. وارسم خططك لاستثمار هذه المدخرات في أفضل الأوجه الاستثمارية التي تعود عليك بالربح الوفير.

لا يضر كذلك أن تلجأ لاستخدام تطبيقات هاتفية تتيح لك متابعة أدائك المالي في الادخار والاستثمار. وتسهل عليك متابعة مصاريفك الشهرية يوم بيوم. فهذه النوعية من التطبيقات تسهم في خلق حالة من الوعي المستمر لوضعك المالي، وتعينك على الوقوف على أوجه الصرف لديك.

ولا ننسى ختاما أن الأمور العظام لا تحدث مرة واحدة، وإنما بالأفعال الصغيرة التي تسبقها وتتشكل منها.

 

فيصل محمد كركري

 

السيد سوق.. مفهوم غراهام العبقري

mr market

السيد سوق أو (Mr. Market)، هو المصطلح الذي صاغه بنيامين غراهام، الأب الروحي لاستثمار القيمة (Value Investing). والذي استخدمه لكي يبسّط فكرته الاستثمارية لعموم المستثمرين من غير المختصين في المجال الاستثماري. وذلك في كتابه الشهير “المستثمر الذكي”.

تتلخص فكرة “السيد سوق” في افتراض أنك أحد رجلين يمتلكان شركة بالتساوي بينها. وأن شريكك (السيد سوق) يقوم بصورة يومية إما بعرض حصته بالشركة للبيع، أوتقديم عروض لشراء حصتك فيها. والذي يميز هذا الشريك أنه عاطفي جدا ولا يعبأ بالأداء الفعلي للشركة، على المدى القصير على الأقل. بل إن كل ما يرغب به هو عرض المزيد من الحصص (الأسهم) للبيع وطلب المزيد منها للشراء بناء على مزاجه اليومي. فأحيانا ينتاب السيد سوق القلق والخوف، فيقوم بعرض كل ما لديه من الأسهم بأدنى الأسعار لمجرد التخلص منها. وأحيانا أخرى يغمره الفرح والتفاؤل وتنفتح شهيته للمزيد من الأسهم فيقوم بتقديم عروض شراء سخية. وفي كلا الحالتين، الخوف الشديد والفرح الغامر، ترتفع الأسهم في البورصة وتنخفض بناء على مزاج هذا السيد النبيل.

ينصحنا غراهام بعدم أخذ التصرفات الطائشة للسيد سوق على محمل الجد. بل يتوجب علينا انتظار الوقت المناسب للشراء وذلك عندما يقوم السيد سوق بعرض الأسهم بسعر زهيد يقل عن القيمة الفعلية لها. وكذلك الحال في حالة بيع الأسهم، حيث من المجدي انتظار الفترة التي ينتشي بها السيد سوق ويقوم بعرض الملايين من الدولارات طمعا في شراء أسهمك، فتقوم حينها ببيعها عليه بأعلى الأسعار. وهو بذلك يعطينا درسا في كيفية التحكم بعواطفنا المالية، ويحذرنا من الانقياد ورائها بغية الربح السريع في البورصة، ويذكرنا كذلك بأهمية الصبر عندما يتعلق الأمر بشراء أو بيع الأسهم.

هذا النهج بطبيعة الحال لا يعني بأي حال من الأحوال الاتجاه نحو ما يسمى بـ “توقيت السوق”، وهي الاستراتيجية الاستثمارية التي تعتمد على تحيّن الوقت المناسب لتداول الأسهم بيعا وشراء. والتي قد ترتكز على عوامل أخرى لا تتعلق بأداء الشركات الفعلي، والاكتفاء بحركة البيع والشراء التي يقوم بها المستثمرون الآخرون، بغض النظر عن أي عوامل أخرى. فكما هو معروف، فإن غراهام هو أول من تحدث عن أهمية الدراسة المتأنية والمعمقة لأي شركة ينوي المستثمر شراء أسهمها. وبالتالي فإن نهج غراهام الاستثماري أبعد ما يكون عن الاكتفاء بمتابعة حركة السوق. بل إن جل ما يعملنا إياه هو أن نستثمر في الشركات ذات الأداء الممتاز بقيمة زهيدة مقارنة مع قيمتها الفعلية أو الحقيقة كما يسميها البعض.

خطتك المالية تفشل لأنها…

sports-jobs-search-frustration

من منا لم يفشل يوما ما بتحقيق أمانيه؟ من منا لم يغير خطته مرارا وتكرارا بسبب عدم قدرته على تحقيق أهدافه؟ الحقيقة أن غالبية البشر يتعرضون لانتكاسات كثيرة ومتعددة خلال سعيهم للوصول لأهدافهم المرسومة مسبقا. وهذا الأمر ليس جديدا أو مقتصرا على فئة معينة من الناس، بل هو الحالة المعتادة والطبيعية لدى عموم الناس، وإلا لما كان للنجاح في الوصول للأهداف طعم يذكر، ولغدا شأنه شأن الأكل والشرب وبقية الأفعال التي نقوم بها تلقائيا ولا تتطلب جهدا لفعلها.

فإن اقتنعنا بذلك، يبقى السؤال: ما هي أسباب فشل أغلب المخططات المالية التي نضعها.

سوف ألقي الضوء فيما تبقى من أسطر على طائفة من الأسباب التي أراها شائعة بين الناس، وتؤدي لفشلهم في تحقيق أهدافهم المالية.

استعجال النتائج

الإنسان الطبيعي لا يحبذ الصبر مهما بلغ به العلم والمعرفة بفوائده. فالحصول على ما نريد بأسرع وقت ممكن هو أحد دعامات العقل البشري الذي يعمل (عند أغلب البشر) بصورة أسرع من الوتيرة التي نقوم بها ببقية أفعالنا. وضيق الوقت هو المحفز أحيانا للبعض للقيام بأغبى التصرفات في سبيل الوصول للنتائج بصورة سريعة. وعندما يتعلق الأمر بالمال، فإن الصبر لا غنى عنه. فسواء كنت راغبا بالادخار أو الاستثمار أو ممارسة التجارة، فإن التسرع قد يقضي على كل مساعيك السابقة.

المقارنة بالآخرين

وهذه المقارنة تُسهم في ثني العديد من الأشخاص عن تحقيق أهدافهم المالية، وذلك من جهتين، فهي إما أن تجعلنا نستخف بأهدافنا عند مقارنتها بأهداف الآخرين “الضخمة”، وإما أن تقلل من عزمنا على مواصلة الطريق نحو أهدافنا عند مقارنتها مع أهداف الآخرين “المتواضعة”. فالانسان بطبيعته معتاد على ممارسة أنشطته بالصورة “الدارجة” ولا يسهل عليه الانحراف عنها للقيام بالأمور كما يريدها هو. وبالتالي فإن المقارنة تدفع الناس للانقياد للنهج السائد الذي يخلو من التميز والإبداع.

الملل

لا نحسن القيام بالأشياء التي نمل منها. فالاستمتاع بما نقوم به عنصر أساسي لأي توجه نرغب فيه. ومن طبيعة الخطط أنها تبعث على الملل، وتقيد حرية الإنسان في فعل اللأمور التي تقع خارج نطاق خطته المرسومة. وبالتالي فإن العديد من الأفراد يعزفون عن المضي قدما في خططهم رغبة في الارتماء في أحضان المُتع على اختلاف أشكالها.

عدم الكتابة

فالخطط التي “في الرأس” لن تتحقق ما لم تدوّن على الورق. والكتابة هنا لا تعني بالضرورة الإسهاب في شرح كل صغيرة وكبيرة في خطتك المالية، وإنما مجرد رؤوس أقلام تفي بغرض إيصال مفهوم الأمور التي ترغب في تحقيقها ووسائل الوصول إليها. كما أن الجداول الزمنية بطبيعتها تتطلب كتابة وتحديد دقيق للمواعيد وإلا غدت مجرد أفكار تدور في عقل صاحبها.

المبالغة

وهي داء يصيب محبي التخطيط من الذين لا يرضون بالنتائج المعقولة ويسعون لتحقيق ما هو أعظم من ذلك … بكثير. لا شك أن الطموح للأفضل أمر محمود وله عوائد طيبة على النفس البشرية. إلا أن المبالغة في بعض الطموحات قد تؤدي بالإنسان لهجر التخطيط وطلاقه طلاقا بائنا. حيث أن الاستمرار في العجز عن تحقيق النتائج العظيمة أمر محبط وطريق شبه مؤكد للركون لليأس.

هذه الأسباب التي ذكرتها أعلاه هي مما خبرته شخصيا وشهدته كذلك في العديد من الأشخاص، وحري بها أن تدفعك عزيزي القارئ لأن تحرص على معالجتها، أو على الأقل الانتباه لتأثيرها على خططك المالية. أما كيفية التخلص من هذه الأسباب فيكون وبكل بساطة عن طريق تجنها، والحيلولة دون الركون لنتائجها. فمن لا يكتب خطته فعليه بالكتابة فورا، ومن يقارن نفسه بالآخرين فعليه بالإقلاع عن ذلك، وكذلك الذي يستعجل النتائج فعليه بالتريث وارتداء ثوب الصبر، ومن يبالغ في التخطيط فعليه بالقليل من التواضع والعقلانية في الأهداف، ومن يمل من خطته فعليه بتطعيمها ببعض الإثارة والتشويق اللازمين لجعل الخطة مغامرة أكثر منها مجرد جداول صماء.

قد تبدو هذه الحلول بسيطة وبديهية، ولكن لا تدع بساطتها تدفعك للشك في جدواها. تبنى بعضها أو جميعها وستجدها خير معين لك على الالتزام بخطتك المالية.

تمنياتي للجميع بحياة مالية سعيدة.

الاستثمار وبناء الجسور

banner_Innocap

“عندما تبني جسرا مخصصا لعبور حمولة إجمالية بمقدار 10 أطنان فمن الأفضل لك بناءه ليتحمل ما مقداره 30 طن. وهذا الأمر يسري على الاستثمار في الأسهم كذلك” – وارين بافيت

والعبرة الجلية من كلام بافيت، حكيم أوماها كما يسميه خبراء الأسهم، هي أهمية الاحتياط وتوقع الأسوأ عندما يتعلق الأمر في الاستثمار في الأسهم. وهي الفكرة التي استقاها حكيم أوماها من أستاذه بنيامين غراهام عندما سُئل عن أهم قاعدة في الاستثمار فقال: هامش الأمان. والمقصود به شراء الأسهم بفارق كبير عن قيمتها الحقيقية أو العادلة.

وعلى الرغم من تعقيدات عالم الأسهم التي يتشدق بها العديد من البيوت الاستثمارية والمحللين الماليين الساعين للظهور بمظهر العباقرة، إلا أن فكرة هامش الأمان (Margin Of Safety) تبقى أحد أهم ركائز استثمار القيمة (Value Investing) والتي ظلت على مر العقود تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها الأفضل للمستثمرين من حيث عوائد الاستثمار في الأسهم وبدرجة أمان كبيرة مقارنة مع غيرها من استراتيجيات الاستثمار الأخرى.

إن الالتزام بشراء الأسهم بأسعار تقل كثيرا عن قيمتها السوقية أمر له فوائد عدة، منها أنه يشكل ضمانا ضد الخطأ في الحسابات. فقد تُخطيء كمستثمر في حساباتك التي على أساسها قمت بالاستثمار في الشركة، وعليه يصبح لديك مجالا للربح حتى في حالة هبوط سعر السهم، فقد قمت بشرائه بفارق مريح يضمن لك الخروج وتصحيح الخطأ قبل تكبد خسائر. كما تساعدك هذه الاستراتجية على تصفية الشركات التي تقوم بالمقارنة فيما بينها من حيث الأداء المالي، وبالتالي ستختار تلك التي تمنحك هامش أمان أكبر (فارق أكبر بين السعر الحقيقي والسعر السوقي).

وفي جميع الأحوال، فإن شراء الأسهم بأسعار رخيصة يعتبر أمرا محمودا من الناحية الاستثمارية، فالأرباح التي ترافق هكذا شراء، خصوصا إذا كان لشركات معتبرة وذات أداء مالي قوي، تساعد صاحبها على تحقيق ثروة اذا ما استمر على هذا النهج الاستثماري الحصيف.

ولعل الرومان لم يغفلوا عن هذا الأمر كذلك عندما اشترطوا على المهندسين والعمال الذين يقومون ببناء الجسور، النوم تحتها بعد اكتمال بنائها لكي يتأكدوا من سلامتها ولحثهم على الدقة في بنائها وعدم التفريط في اشتراطات السلامة.

هدف لكل شهر

2016منذ فترة توقفت عن تجديد الكتابة في موضوع طرق ووسائل وضع الأهداف السنوية، خصوصا تلك التي تحدد ما الذي يجب فعله بالضبط (خطوة بخطوة) لكي نتمكن من تحقيق مختلف أهدافنا في بداية العام الجديد. والسبب في ذلك إحساسي بتكرار الأفكار والمقترحات التي طالما تحدثت عنها، وكذلك بسبب رغبتي في إيجاد وسائل أكثر سهولة في التطبيق ولو كانت ذات مردود أقل ولا تتطلب الالتزام الكامل بالتخطيط النمطي المعروف.

وفي القادم من سطور، سأضع بين يديك عزيزي القاريء طريقة مبسطة لتحقيق الأهداف، قمت باعتمادها منذ زمن وما زلت أجد فيها ضالتي فيما يتعلق بتحقيق الأهداف الصغيرة. وأشدد هنا على أن تطبيقي لهذه الطريقة البسيطة ينحصر في الأهداف والإنجازات السهلة والقصيرة، وليس في الأهداف طويلة الأجل أو تلك التي تتطلب نضجا تخطيطيا ومثابرة في سبيل تحقيقها. ولكن تبقى هذه الآلية، شأنها شأن باقي الأدوات التطويرية، أداة يمكن استخدامها وتطويرها مع مرور الوقت بحيث تتناسب مع كل أنواع الأهداف. وقد يجد فيها البعض وسيلة مناسبة للوصول لأهداف أكبر. والتجربة كما يقال خير برهان.

الطريقة باختصار تكمن في تخصيص كل شهر من أشهر السنة الجديدة لتحقيق هدف واحد فقط. بحيث يتم تركيز جميع طاقات وملكات الإنسان في اتجاه واحد وخلال شهر كامل. وبصورة تمكنه من تحقيق اثنا عشر هدفا خلال العام. هذه الطريقة، والتي لا تتعدى كونها فكرة أكثر منها طريقة، على بساطتها إلا أن المنظور الذي تمنحه لمستخدمها يسهم كثيرا في تعزيز ثقته بنفسه من خلال إعطائه فترة طويلة (نسبيا) لتحقيق أهداف بسيطة كقراءة كتاب، أو الالتزام برياضة المشي اليومي، أو التواصل مع أشخاص أعزاء طال فراقهم، أو تعلم رياضة معينة. بالإضافة إلى أنها تحمي صاحبها من التشتت الذي يرافق عادة عملية تنفيذ الخطط المرسومة مسبقا. فمن يسعى لتخفيف وزنه مثلا قد ينشغل بالرياضة عن القراءة وعن التفكير في كيفية تحسين وضعه المالي والبحث عن مصادر دخل جديدة، وعن الالتفات لأسرته. والأمر كذلك مع بقية الأهداف الصغيرة التي نملأ بها عقولنا وقلوبنا ولكن نفشل في السعي لتحقيقها بصورة متوازنة وعادلة.

الجميل كذلك في هذه التقنية أنها تتيح لنا وصف الأشهر بالأهداف المتربطة بها، فهذا شهر القراءة والذي يتبعه شهر الجري ثم شهر السفر …إلخ. ففي نهاية المطاف، الأمر نفسي بحت ولا علاقة له بالتفكير العقلاني، فالإنسان ينجز كل ما يستسيغه وليس بالضرورة كل ما يقدر عليه.

عام سعيد ومليء بالإنجازات أتمناه لكم،

الأمان ثم الأمان ثم الأمان

451

الأمان هو الرصيف الذي يرتفع على جنبات مشوارنا الاستثماري. هو الاشتراط الأكثر مطالبة لكل مسعى استثماري حقيقي. جميع الاستثمارات التي تخلو من هذا الاشتراط ولو بأدنى درجاته، هي أقرب للمقامرة منها للاستثمار. قد تنجح محاولات البعض في تنمية ثرواتهم بطرق تخلو من الأمان، ولكن العبرة في ديمومة هذا النجاح وليس في موسميته. فالمستثمر الحقيقي هو الذي يستمر على نهجه في تحقيق العوائد (مهما كانت ضئيلة) وفي ظل منظومة أمان مريحة واحترافية.

من غريب ما أسمع من وقت لآخر قول البعض بأن المعنى الحقيقي للاستثمار يكمن في المغامرة، وأن المستثمر الحقيقي يجب أن يكون مغامرا من الدرجة الأولى. هذه الأقوال تكثر عادة في أوقات الرخاء والانتعاش الاقتصادي، حيث تبلغ الأرباح والعوائد الاستثمارية عنان السماء. ففي تلك الفترات يكاد كل من يستثمر في الأسهم يربح، فالسهم الذي تشتريه اليوم غالبا ما يرتفع غدا محققا لك أرباحا مجزية وسريعة. الأمر الذي قد يدفعك للظن بأنك عبقري من الطراز الأول. وبالتالي كانت جمل مثل “المستثمر الجيد يجب أن يكون مغامرا لا يخشى المخاطر” تعتبر جملا شائعة ويتغنى بها العديد من المضاربين. بل إن الحديث عن عوائد كـ (10%) لم تكن لتشفي غليل هؤلاء المضاربين الباحثين عن الـ (50% و100%).

ولكن يبقى السؤال: كيف هو حال هؤلاء اليوم مع تدهور الاقتصاد وتلوّن البورصات العاليمة بالأحمر؟ هل مازالوا يتحدثون عن “مغامرات” لاستثماراتهم؟ هل مازالوا يملكون قلوب جريئة تخوض غمار التقلبات في البورصات والتي أغلبها تتجه نحو الجنوب (خسائر)؟ هل مازالوا يظنون بأنهم عباقرة أفذاذ قل نظيرهم؟

أن الفهم الدقيق لمعنى الاستثمار يحمل صاحبه لإدراك كنه هذه الكلمة التي سيء استخدامها مع مرور الزمن. فمن تنمية للمال، أصبح الاستثمار قرينا للمقامرة واقتناص الفرص وتحقيق أرباح سريعة وبلا تعب يذكر. وهذا الفهم الخاطئ لمعنى الاستثمار جعل بعض العاملين في المجال الاستثماري مصاصي دماء أكثر منهم زارعي أصول باحثين عن أرباح مستدامة وبعوائد معقولة. وأصبحت النظرة للاستثمار الناجح هي بكونه يحقق أرباحا كبيرة و “سريعة” وإلا فهو استثمار “عجائز” ولا فائدة ترجى منه.

وللتأكد من دور الأمان في تسيير عجلة الاستمثار، اقرأ في الإصدارات المالية لكل جهة استثمارية عريقة في الاستثمار وتعرف على إجراءات الأمان التي تتبعها وحجم المصاريف التي تضخها في سبيل تحويط جميع صنوف استثماراتها بجدار من الأمان. كذلك تستطيع الاطلاع على تجارب كبار المستثمرين العالميين وكيف يحرصون على بناء حصون منيعة لأصولهم الاستمثارية ولا يكتفون “بالمغامرة” التي يتشدق بها البعض.

صحيح أن المغامرة كفكرة تعتبر أمرا رائعا ودافعا لصاحبها للشعور بالقوة والرضى الداخلي. بالإضافة لدفعات الأدرينالين التي تضخ في سائر جسده مانحة إياه النشاط والانتعاش. إلا أن انتهاج المغامرة كسبيل للاستثمار فإنه يعد توجهاً خطيراً بل وفاشلاً أيضا. فما ينجح اليوم قد لا ينجح بالغد، عندها تصبح المغامرة وبال على صاحبها خصوصا إذا ما كانت مغامرة بحتة لا شبكة أمان فيها.

الادخار رحلة وليس وِجهة

 

 الادخار عبارة عن رحلة، قد تكون سهلة للبعض وصعبة للبعض للآخر، ولكنها مفيدة للجميع وفي جميع الأحوال والظروف. ونتائجها واضحة وجلية وترى رأي العين. فحتى يومنا هذا، لم أسمع بشخص تأثر سلبا نتيجة لتوفيره بضعة مئات أو بضعة آلاف من الدنانير. فهذا الذي سدد دينه، وذاك الذي جمّع لزواجه، وآخر اشترى ما يحلو له، وتلك التي افتتحت مشروعها التجاري .. الخ.

 من ينظر للادخار على أنه هدف بحد ذاته فإنه سائر في درب البخل لا محالة. بل الادخار وسيلة لا غاية. ومن خلاله نطولُ ما لا يمكننا الحصول عليه دون مساعدته. ونحظى بما لا يناله المتكاسلون عنه.

من الجميل في كون الادخار رحلة، أنه يجعلنا نحيا بصورة طبيعية دون التركيز عليه. فالمدخر لا يلتفت للادخار إلا في بداية مشواره الادخاري، ويقضي معظم وقته اللاحق في ممارسة حياته بصورة طبيعية، دون التفكير في كم سيدخر اليوم وكم سيوفر في الغد.

هذا لا يعني أن الادخار صعب، بل وعسير جدا على في بعض الأحيان بالنسبة لبعض الناس. خصوصا أولائك الذين لا يطيقون ردع أنفسهم عن صرف النقود التي بحوزتهم. ولكن برغم هذه الصعوبة، يبقى الادخار مسعى يستحق التعب من أجله، ولو كانت جميع الدروب سهلة، لما تميز أصحابها.

ابدأ اليوم ولا تعقد الأسباب التي تدفعك للعزوف عن الادخار. اكتب هدفا مالياً أو اثنين، واسعَ لتحقيقها مستندا على العزيمة والصبر اللازمين لكل من يرغب بانتهاج الادخار كوسيلة الوصول لمختلف غاياته المالية في هذه الحياة.