منغصات العقار

888

يشكل الاستثمار العقاري ذراعا قوية للمستثمرين على اختلاف مشاربهم وتنوع استراتيجياتهم. فالعقار كان وما زال مرفأ للعديد منهم خصوصا عند اشتداد الأزمات وتهافت الأسواق المالية. فهو المدر للأرباح الدورية والأصل الأشهر للرهونات البنكية والقيمة الأكثر ثباتا على مر التاريخ.

وكغيره من أنواع الاستثمارت، يعاني العقار من بعض المنغصات التي قد تقض مضجع المستثمرين به. وفيما يلي بعضا من هذه المنغصات مشروحة بصورة مختصرة:

1- القيمة

تلعب القيمة الضخمة (نسبيا) للعقارات حاجزا كبيرا لمن يرغب باستثمار مدخراته القليلة في شراء عقار من أي نوع كان. فالأراضي الفضاء والمساكن الخاصة والعمارات التجارية ومشاريع التطوير العقاري، جميعها تتفق في كونها تتطلب مبالغ كبيرة لشرائها، وقد يعجز صغار المستثمرين عن تلبية المتطلبات المادية لهذه العقارات. وعلى الرغم من توافر صناديق عقارية توفر إمكانية المساهمة بها بمبالغ قليلة ومتاحة لأغلب المستثمرين، إلا أن السيطرة المطلقة تكون بيد مدير الصندوق وبالتالي فإن مساهمة المستثمر تعتبر سلبية وتكتفي بجني الأرباح الدورية (إن وجدت) أو في سهولة الدخول والخروج من الصندوق بحسب الرغبة.

2- الصيانة

والتي تبرز بشكل خاص في حالة الشقق السكنية (سواء المملوكة بالكامل أو ضمن عقد صكوك مشترك) والتي تتطلب صيانة مستمرة وبتكاليف متصاعدة تستهلك قدرا لا يستهان به من عوائد الاستثمار وتضطر الكثير من المستثمرين إلى التعاقد مع شركات صيانة ذات تكاليف وترتيبات قد تكون معقدة في كثير من الأحيان.

3- الملكية

لا تشترك جميع الاستثمارات العقارية في كونها ذات ملكية حرة، فالعديد من ضروب الاستثمار العقاري تكون بصورة ملكية جزئية (التايم شير مثلا) أو ملكية مؤقتة (في مكة مثلا حيث يمنع على الأجانب التملك الحر). هذه الصور من الملكية غير الكاملة تؤرق المستثمر وتضطره لوضع خطة دقيقة للاستفادة القصوى من عقاره، بحيث يتوجب عليه المتابعة المستمرة لحركة البيع والشراء في المشروع السكني الذي ساهم به بالإضافة إلى معرفة ما يستجد من قوانين قد تؤثر عليه ملكيته العقارية.

4- الضرائب

والتي تترافق عادة مع العقارات في البلدان الأجنبية، والتي رغم انخفاض قيمتها مقارنة مع قيمة العقار، إلى أنها قد تكون مرهقة ماديا ومعقدة في بعض الأحيان، فالضرائب أنواع، منها ما هو خاص بالملكية فقط ومنها ما يصل للعوائد التي يجنيها المستثمر من هذا العقار ومنها ما يتعلق بالحفاظ على البيئة وغيرها من الأصناف التي لا يسع المجال لذكرها بالتفصيل.

5- القوانين

حيث يتوجب على المستثمر الاطلاع المستمر على كل ما يستجد من قوانين في البلد الذي يستثمر به، وفي بلده أيضا. ولا غرابة في أن العديد من القوانين الخاصة بالاستثمار العقاري تتغير باستمرار، نظرا لكون العقار مرتبط بحاجة أساسية للبشر وهي السكن، بالإضافة لكونه يلعب دورا مهما في تسيير عجلة الاقتصاد بالاتجاه الصحيح. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما قامت به سلطنة عمان مؤخرا من سحب للأراضي المملوكة لبعض المستثمرين الخليجيين نظرا لعدم استغلالها خلال فترة أربعة سنوات. وبالتالي خسارة هؤلاء المستثمرين لاستثمارات كانوا يأملون في ارتفاع قيمتها مع مرور الزمن. وعلى الرغم من أن السلطنة ستقوم بتعويض هؤلاء المستثمرين بدفع القيمة التي دفعوها مبدئيا في اقتناء هذه العقارات، إلا أن الخسارة ستكون حاضرة بسبب ارتفاع قيمة هذه الأراضي منذ شرائهم لها.

أرجو أن لا تشكل هذه التدوينة رادعا يمنعك من الاستثمار في العقار. فالعقار أصل استثماري عظيم يستحق أن نتحمل بعض المنغصات في سبيل امتلاكه وتزيين محفظتنا الاستثمارية به. ولكني أرغب بأن تكون الصورة واضحة وجلية أمامك قبل اتخاذ أي قرار مالي حاسم في حياتك.

قبل أن تشتري عقارا بالخارج

Real Estate Photographyتعتبر عملية شراء عقار خارج بلدك استثمارا رائعا وتطبيقا عمليا لأقوى المبادئ المالية على الإطلاق وهو “الدخل السلبي” أو “passive income” وهو المفهوم الذي شرحته كثيرا في كتبي ومحاضراتي، وخصصت له كذلك فيديو قصير بعنوان (شرح مفهوم الدخل السلبي). ولذلك آثرت الحديث عن بعض النقاط الواجب اتباعها قبل الإقدام على شراء عقار بالخارج، خصوصا مع الانتشار الكبير للشركات والمعارض التي تسَوق لهذا الأمر، خصوصا في بلدان الخليج العربي.

1- هوية الشركة العقارية:

عليك التأكد من كيان الشركة العقارية قبل التعامل معها. ويكون ذلك غالبا بطلب رخصتها التجارية للتأكد من سلامة وضعها القانوني وكذلك للتأكد من اشتمالها على نشاط بيع العقارات خارج بلدك.

2- منتجاتها الشركة السابقة:

سواء كانت منازل أو شقق أو مشاريع تطوير عقاري، فإن هذه المنتجات هي أحد دلائل نجاح هذه الشركة في مسعاها لبناء سمعة طيبة بين العملاء. اسأل موظف المبيعات أن يزودك بالمشاريع السابقة والتي تم الانتهاء منها للتعرف على مستوى منتجات الشركة، ولكي تتيح لنفسك فرصة الاستفسار من بعض عملاء الشركة مباشرة عن مدى رضاهم عن أدائها ومدى أمانتها في التعامل معهم.

3- خذ جولة “انترنتية” سريعة:

خذ جولة سريعة على الانترنت للتعرف على ما يقال عن هذه الشركة. كل ما عليك هو كتابة اسمها في Google ودع الباقي لخبراء قوقل ليأتوك بما لم تعرفه بعد عن الشركة من أخبار وقضايا وشكاوى وخسائر قد لا يتطرق لها موظفوا المبيعات في الشركة :)

4- سؤال عملاء سابقين:

تستطيع الحصول على أرقام بعض عملاء الشركة السابقين من الشركة نفسها (بعض الشركات ترفض ذلك بحجة السرية) وتوجيه ما تشاء من اسئلة تتعلق بالمشاريع التي جمعتهم مع هذه الشركة وماهي المشاكل التي واجهتهم وكيفية تعاطي الشركة معها.

5- عرض العقد على محامي:

مفيد كذلك أن تطلب نسخة من العقد المزمع توقيعه مع الشركة، وذلك لعرضه على محامي من طرفك للتأكد من سلامته من الناحية القانونية وهل هناك حاجة لإضافة بعض البنود التي من  شأنها حمايتك في حال ساءت الأمور.

6- طريقة التخارج:

والتخارج (بيع العقار) هو الغاية للعديد من المستثمرين (حتى أصحاب الاستثمار طويل الأجل) فكما أن معرفة كيفية الدخول في الاستثمار، مهم جدا أن تعرف كيف تتخارج منه. فهل توفر الشركة فرصة بيع العقار عليها؟ هل تملك الشركة سوقا ثانوية لتداول العقارات الخاصة بها؟ هل تسمح القوانين أصلا ببيع العقار خلال فترة زمنية وجيزة؟ هذه الاسئلة مهمة جدا، فالعديد من العقارات تفقد قيمتها بسبب صعوبة التخلص منها لأي سبب كان. احرص على اقتناء العقارات التي يسهل إعادة بيعها بسرعة ودون تكاليف إضافية مرهقة.

7- الضرائب والرسوم:

أغلب دول العالم تفرض ضرائب على العقارات بشتى أنواعها، سواء السكنية أو التجارية أوالاستثمارية. ولضمان أفضل العوائد على استثمارك العقاري، يجب عليك أولا التعرف على مقدار أو نسبة الضريبة التي ستكون مضطرا لدفعها عندما تمتلك العقار. وسواء كنت راغبا في امتلاك هذا العقار بهدف الاستخدام الشخصي أو للاستثمار، فالتعرف على قوانين الضريبة العقارية أمر لا مفر منه.

8- ديموغرافية الموقع:

اطلع كذلك على الأوضاع الاجتماعية والسكانية للموقع الذي ترغب بشراء عقار فيه. فلا يخفى على الجميع أن العديد من دول العالم (إن لم يكن جميعها) لديها تكتلات إثنية وعرقية ودينية تتركز في أماكن محددة. وقد لا يتسنى للمستثمر الغريب معرفة هذه الأمور وهي أمور مهمة وقد تؤثر في السعر المستقبلي للعقار.

ودمتم،

احذر ما يسمى بـ “تجميع الديون”

debt-consolidation2

تجميع الديون أو ما يسمى باللغة الإنكليزية (Debt consolidation) ليس سوى إحدى وسائل البنوك وشركات التمويل لتعظيم أرباحها على حساب العميل ولاكتساب عملاء جدد أيضا، وذلك من خلال إغراء العميل بأن تقوم  بشراء جميع ديونه واستبدالها بدين واحد فقط. غالبا ما تقوم بهذه الخطوة البنوك الأخرى (وليس بنكك) بهدف استقطاب المزيد من العملاء.

إلى الآن تبدو الصورة جميلة والإغراء مقنع. وللمزيد من الإثارة، تقوم هذه البنوك “بتلميع” هذه الفكرة بأن تجعل من سداد القسط الشهري لهذا الدين أمرا ميسرا وذلك بتقليل قيمته. فعلى سبيل المثال: بدلا من أن يدفع العميل مجموعة أقساط (لديون متعددة) بقيمة إجمالية 300 دينار شهريا، تتحول هذه الأقساط إلى قسط وحيد بقيمة 180 دينار ويسدد على فترة طويلة.

قد يتسائل البعض: وماذا في ذلك؟ ما الضرر من التسهيل على العميل والتخفيف عليه من أعباء الأقساط الشهرية؟

الإجابة وبكل بساطة تكمن في ثلاثة محاور:

المحور الأول: أن أهم خطر في عملية الاستدانة هو اعتيادها. وعملية تجميع الديون كما ذكرتها أعلاه تعزز مفهوم الاستدانة في ذهن العميل. حيث تجعله يستمر بالرزوح تحت وطأة الديون لفترة أطول. والأدهى من ذلك أنه يظن بأنه يتحايل “بذكاء”على ديونه وأقساطه العديدة من خلال توحيدها في دين واحد فقط ذو قسط قليل يسهل سداده، ولو كان هذا الأمر يعني فترة سداد أطول، أي دين أكبر.

المحور الثاني: توحيد الديون عملية غير مجانية إطلاقا، والبنوك لا تقوم بها حبا بالعميل. بل هي عملية مربحة تمنح البنك فترة أطول لامتصاص موارد العميل المالية من خلال إيهامه بأن القسط الصغير يعتبر أمرا رائعا له!. فكل ما تقوم به هذه البنوك عمليا هو أنها تشتري ديونه السابقة وتبيعه قرضا واحدا ضخما بفائدة أكبر وفترة سداد طويلة. وبالتالي يكون العميل هو الخاسر الأكبر في هذه الصفقة.

المحور الثالث: من أهم وسائل التخلص من الديون المتعددة هو التركيز على التخلص من أصغرها وصولا إلى أكبرها، وذلك من خلال طريقة كرة الثلج والتي شرحتها في كتبي وفيديوهاتي مرارا. حيث يبدأ العميل بعمل خطة ادخارية بهدف سداد ديونه الصغيرة والمقدور عليها، ثم الانتقال تدريجيا للديون الأكبر وهكذا حتى يتخلص من جميع ديونه. وهذه الطريقة الفعالة في سداد الديون لن تكون متاحة في حالة تجميع الديون، حيث سيكون هناك دين واحد ضخم من الصعب التخلص منه بسرعة وفعالية رغم انخفاض قيمة قسطه الشهري.

 

الخلاصة: لا تلتفت إطلاقا لدعوات البنوك لتوحيد قروضك واحتفظ  بأقساطك كما، بل قم بزيادة قيمتها الشهرية إن استطعت حتى تسرَع من عملية التخلص منها.

 

ودمتم،

الفرص لا تتوقف عن الظهور

ليس من شأن الفرص التوقف عن عرض نفسها عليك. سواء رغبت باقتناصها أم لم ترغب. قد يظن البعض بأن الحظ هو من يجلب الفرص للبعض ويحجبها عن البعض الآخر. ولكن الحقيقة الكونية التي لا جدال فيها هي أن الفرص متاحة للجميع وبصور مختلفة وأوقات مختلفة. والسبب في جلائها أو غموضها يعود للشخص نفسه وليس لطبيعة الفرصة المتاحة. نعم أنت يا من تقرأ هذه السطور العامل الأهم في تحديد مدى وضوح الفرص من حولك، وذلك من خلال سلوكك وطباعك والأهم من ذلك كله طريقة تفكيرك. ولبيان هذه الرموز عليك بالمثال التالي:

هب أن شخصا رامَ تعلم كيفية استثمار أمواله التي ورثها من والده. ولكنه لم يحرك ساكنا في هذا السبيل سوى التذمر من أحوال الاقتصاد وكذب الاقتصاديين وصعوبة فهم وتعلم أساسيات الاستثمار وشح الفرص الاستثمارية. وبالتالي فإنه لا يرى بالأفق أية فرص تعينه على تحقيق ما يرغب. وقبل أن توافق عزيزي القارئ على رأي صاحبنا، تابع معي كم الفرص التي تتراقص أمام هذا المسكين وهو غافل عنها.

الفرصة رقم (١)
بصورة شبه أسبوعية يزور صاحبنا مكتبة المنطقة لشراء احتياجات ابنائه الدراسية. تضم المكتبة بين جنباتها بضعة كتب لتعليم الاستثمار بصورة مبسطة (كتب غير متاحة في دول أخرى) ولكن بما أن صاحبنا لا يحب القراءة فقد أضاع هذه الفرصة القيمة لبدء مشواره المالي بأفضل وسيلة وأيسرها.

الفرصة رقم (٢)
أحد أصدقاء صاحبنا موظف في أحد البنوك المحلية وهو شخص خلوق وثقة ويسعده مد يد العون لكل من يسأله ذلك. ولكن بما أن صاحبنا لا يحبذ فتح قلبه للآخرين ويخشى “العين” ويرى كذلك أنه من العيب توجيه الأسئلة للآخرين خشية أن يظنون بأنه غبي أو فاشل، فقد امتنع عن أن يستنجد برفيقه موظف البنك.

الفرصة رقم (٣)
قامت الحكومة بطرح اكتتاب للمواطنين في شركة مملوكة جزئيا للدولة وبسعر مغري جداً. ومثلما تتوقع أخي القارئ، عزف صاحبنا عن الاكتتاب خوفا من تقلبات البورصة وارتعادا من قصص البشر الذين خسروا كل ممتلكاتهم فيها. وعليه فقد فوت فرصة يحلم بها كل مستثمر من غير مواطني بلد صديقنا العزيز!

هذا المثال ليس سوى قصة متكررة من عشرات القصص الواقعية التي تردني على الإيميل أو من خلال احتكاكي بأشخاص يكادون يجزمون بأنهم غير محظوظين ولا تتاح لهم الفرص لتعديل أوضاعهم المالية. والواقع الذي يتنكر له هؤلاء هو أن الفرص موجودة وتتمنى من يقتنصها، بل ولا تنفك تتنوع بمضمونها وتظل تعرض نفسها علينا بصور مختلفة علنا نزيل الغشاوة التي تعمي أعيننا عنها. تلك الغشاوة التي زرعناها بأيدينا من خلال السلبية في أفكارنا والميل لافتراض الأسوأ وعدم التحرك لتغيير أحوالنا مهما كان واقعنا مريرا.

إن الحل بيدك ومتاح لك مثلما هو متاح لكل من هم حولك من البشر، ألا وهو في أن تفتح عقلك وذراعيك لكل فكرة تخطر على بالك، وكل معلومة تتناهى إلى سمعك. وكذلك أن تتبنى عقلية التغيير وعدم الخوف منه. من هنا ستغمرك الفرص من حيث لا تعلم بل وسيتاح لك اختيار ما يعجبك منها.

ابدأ من الآن فما زال بالعمر بقية وحياتك تستحق الأفضل.

إن لم تعتن بوضعك المالي فمن سيفعل ذلك لك؟

 

استغرب ممن يتفنن في خلق المبررات والأعذار للتغطية على كسله في إدارة أمواله. فمن يخدع بهذه الحجج والأعذار؟ أو ليست حياته وحياة من يُحب هي التي على المحك؟ أليس هو، وهو فقط، الوحيد المعني بالتعامل مع مشاكله المالية؟ أتمنى أن يدرك هؤلاء أن التقدم والتطور في هذه الحياة سُنة كونية وليس خيارا. فمن يسعى لتغيير وضعه المالي (مهما كان عسيرا) فهو أفضل ألف مرة من ذلك الذي يتلذذ بإلقاء اللوم على الآخرين ويكيل الشتائم “للظروف”. إن من أساسيات تنمية الذات بشكل عام، وإدارة الأموال الشخصية بشكل خاص، هي إدراك وضعك الحالي والاعتراف به ثم السعي لتغييره للأفضل بأي وسيلة متاحة، دون كلل أو ملل.

والأغرب كذلك أن من بين الرسائل التي تصلني من المتابعين والقراء، فإن الأكثر إيجابية ونجاحا في تحسين أمورهم المالية، هم أولائك الذين يعانون أشد الصعاب في حياتهم. والذين يوشكون على الانهيار لولا إصرارهم على الوقوف على أقدامهم ومجابهة مشاكلهم مهما بلغت. وعلى النقيض من هؤلاء، فإن هناك من يستسلم لأتفه الأسباب، رغم امتلاكه للكثير من الأدوات والخيارات والفرص التي يمكنه استغلالها لحل أعتى المشاكل.  

 

اعلموا أحبتي أني لا أدعي هنا المثالية، ولست بأفضل منكم في الارتقاء بنفسي في جميع الأحوال. فأنجحُ وأفشل، وتحتويني السلبية أحيانا، ولكني لا أركن لليأس. فلو أتى اليأس بالنتائج لما خلا منه بيت أو صدر إنسان أو عقله.

ودمتم  

 

من يمسك بالسكين الهابطة

knifeهذا العنوان ليس سوى مقولة شهيرة تضج بها أرصفة وول ستريت، ويتغنى بها خبراء أسواق المال حول العالم كلما احمرت شاشات التداول، وزاد الذعر بين جموع المتداولين. ومعنى هذه الجملة أنه في حالة هبوط سعر السهم فمن الأجدر بك الابتعاد عنه، حيث انه قد يقطع يد كل من يحاول الإمساك به (شراءه). وعلى الرغم من بديهية هذا الاعتقاد وصِدقه الظاهر، فان المتمعن فيه يدرك يقينا أن المستثمر الحقيقي هو الوحيد القادر على الإمساك بهذه السكين. بل هو المعتاد على البحث عن هكذا شركات، وذلك عن طريق احتراف آليات الاستثمار السليم في الأسهم، وغالبا ما يكون ذلك عن طريق القيام بهذه الخطوات:

الاستثمار، لا المضاربة

فالمستثمر يعرف جيدا كيف يقرأ البيانات المالية الخاصة بالسكاكين (الشركات) التي هبط سعر سهمها. وبالتالي يعرف جيدا مدى قدرة هذه الشركات على الحفاظ على مكانة مالية صلبة رغم المشاكل الآنية التي تواجهها. بعكس المضارب الذي يتنقّل من سهم لآخر معرضا نفسه لخطورة الوقوع في فخ الأسهم الرديئة والاكتواء بنارها.

التحليل الأساسي، لا الفني

وهي سِمة أخرى ترتبط عادة بالمستثمرين الحقيقيين، وهي الركون للأساسيات في عالم الاستثمار، وعلى رأس هذه الأساسيات الاعتماد على التحليل الأساسي للأسهم كوسيلة للاستثمار، والابتعاد عن خزعبلات التحليل الفني للأسهم، والتي طالما حذّر منها كبار المستثمرين في عالم أسواق المال على مر التاريخ، وعلى رأسهم الملياردير الأميركي الأشهر على الإطلاق، وارين بافيت حين قال:

«لو قلبت رسومات التحليل الفني رأسا على عقب فستحصل على النتائج نفسها».

الاستثمار طويل الأجل، لا قصير الأجل

قد تكون هذه الخطوة هي الأهم لتمكين المستثمر من الإمساك بسكين السهم الهابط، وهي الخطوة التي تمثل المدة الزمنية التي يتعين على المستثمر الاحتفاظ بها بالأسهم. وفي حالة المستثمر الفعلي فإنها يجب ألا تقل عن خمس سنوات. وبالتالي فإن تقلبات السوق المؤقتة لن تضره كثيرا، بخلاف من يستثمر على المدى القصير، حيث يكون عُرضة لكل حركات البورصة وسكناتها من ارتفاع وهبوط.

التحكم بالعاطفة الاستثمارية

وهي العاطفة التي تسيطر على أغلب المستثمرين، حتى أولئك الذين يستثمرون على المدى الطويل. والتحكم هنا يكون بالابتعاد عن التأويلات الشخصية لما سيكون عليه وضع شركة معينة، والالتزام بالأمور الملموسة والقابلة للقياس، كالبيانات المالية ونسب الأداء المتعارف عليها من قبل المختصين، بالإضافة إلى مراقبة أداء إدارة الشركة.

الاعتماد على مقياس الأداء والسعر

والمقصود هنا الأداء المالي للشركة، والذي يمكن قياسه من خلال دراسة البيانات المالية للشركة، وخصوصا النسب المالية وتحليل القوائم المالية. أما السعر فشأنه شأن الأداء المالي، من الممكن احتساب قيمته الفعلية من خلال معادلات بسيطة ومتاحة لأغلب من يبحث عنها.

Twitter:@faisalkarkari

الاستثمار أسلوب حياة

images (1)يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الاستثمار ليس سوى مجال معقد يحتكره القلة، ولا مجال للخوض فيه إلا من خلال “خبراء” مختصين يرشدوهم لأفضل الوسائل لتحقيق الأرباح. وهذا الأمر طبعا أبعد ما يكون عن الصواب، فالاستثمار شأنه شأن بقية العلوم والمعارف، له دارسين ومختصين يقضون سنوات من عمرهم في تعلمه والاستفادة منه، وفي الوقت ذاته له مستخدمون يستطيعون الاستفادة منه دون دراسته بصورة معمّقة. والأمثلة في هذا المجال عديدة ولكني سأقتصر على مثال وحيد فقط لبيان الفكرة بصورة أوضح.

الاستثمار كالطب

صحيح أن الطب من أكثر العلوم إسهابا وتعقيدا، ويتطلب الأمر سنوات وسنوات لفهم كنهه وإدراك معانيه وتطبيقاته بصورة تتيح لدارسيه معالجة الناس وإبرائهم مما يصيبهم من علل وأمراض. إلا أن هذا التعقيد والصعوبة في المجال الطبي لم تمنع الناس من أن يتمتعوا بصحة جيدة بمجرد اتباع بعض النصائح والأفكار العامة، كالنظافة والغذاء السليم وممارسة الرياضة بانتظام وتجنب بعض التصرفات غير الصحية. فالأمر مثلا لا يتطلب طبيبا مختصا حتى تعلم بأن الإكثار من اللحوم يسبب بعض الأمراض، أو أن ترك الجروح الجسدية دون علاج سوف يؤدي للتقرحات. والأمثلة عديدة في هذا المجال ولا مجال لحصرها. وكذلك الأمر مع الاستثمار، فلا حاجة لعموم الناس بأن يصبحوا خبراء فيه حتى يستخدموه، بل إن الأمر يقتصر على فهم بعض الأساسيات التي من شأنها حماية الفرد من الوقوع ضحية لبعض الأفخاخ المالية (كالديون والكفالات والإسراف في الصرف) وممارسة حياته بصورة طبيعية من الناحية المالية.

والخلاصة أن بإمكان أي شخص (بل يتوجب عليه) أن يتعلم أساسيات الاستثمار، لا لكي يصبح مليارديرا، بل ليتلمس طريقه في عالم المال، الأمر الذي سيمكنه من تحقيق أحلامه المالية وتوفير حياة كريمة له ولمن يحب.

Twitter:@faisalkarkari